Thursday, December 27, 2012

الذي يمضي / عيسى مخلوف


الذي يمضي, لنتركه يمضي. كالنهر لا نحرفه عن مجراه. كالغيمة السارحة. الذي يمضي حتّى لو عاد إلينا فهو لن يعود. لأنّه من جهة الغياب عائد. يلوِّح به كلّ لحظة, بعدما كان الغياب, في الماضي, سرّاً مختبئاً وراء إشراق وجهه الحبيب.
يمضي الوجه ويبقى جماله. ينطفىء المصباح ويبقى نوره.
الذي يمضي لنتركه يمضي. لا نتعقّب أثره ولا نناديه. ولا نتحسّر على عدم قولنا له الكلمة الأخيرة.
ولِمَ الانتظار وهو أصبح خارج انتظارنا له. حُرّاً, طليقاً؟
خارج الانتظار, لا يعود من حاجة إلى الآخر الذي نفرغ منه كمن يطبق كتاباً وينام. ثمّ حين نصحو نرى الوقت الذي لا يُرى. نراه يعبر من أمامنا ومعه أجسادنا جميعاً. مطعونةٌ هي تلك الأجساد ولا تسيل منها الدماء.
الذي يمضي لنتركه يمضي.
تلك الظهيرة, وقفتِ على شاطئ البحر. أرخيتِ رأسكِ إلى الوراء والتفتِّ إلى أعلى حيث تحوم النوارس. ذلك النورس بالذات, وكان يحاول الاقتراب منكِ. يقترب ويصيح ولا يجرؤ على الاقتراب أكثر. كأنّه لا يجرؤ على اختراق حدود غير مرئيّة. وأنتِ جامدة في موضعِك. كنتِ تصرّين في وقفتك على معرفة ما يريد إيصاله لكِ. على علوّ منخفض يطير مترنّحاً منسكباً, ثمّ فجأة يجمد في مكانه, فوق رأسكِ تماماً, ومنقاره مصوَّب نحوكِ. بعد أن أطلتِ التحديق فيه, تلتفتين إليّ وتقولين: "الطير الذي في عليائه هو أنتَ. لكن لماذا لا تتقدّم؟ لماذا تنظر إليّ كأنّكَ لا تعرفني. تشتهيني من بعيد كمن يشتهي امرأة غيره. تَقدَّم. تَعال وخُذني"...
من يمضي لنتركه يمضي ولا نتعقّب أثره. من الآن فصاعداً سيكون بلا أثر. خفيفاً كالهواء. الذي يمضي لا يعرف أنّه يمضي. يسير على الدرب ذاتها التي جاء منها.
 لنتركه يذهب من يريد أن يذهب. نلتفت إليه محفوراً في داخلنا. نَضِراً كما كان يوم كان. نلتفت إلى الداخل نجد فيه ما لا يجده هو في نفسه.
الذي يمضي لنتركه يمضي بسلام