Sunday, September 8, 2013

الشجرة / ريتسوس


‏هذه الشجرة
‏كانت قد شرّشَتْ في الطرَف البعيد
. من الحديقة

‏طويلة ، ونحيلة ، و وحيدة
‏ربما كان طولها اقتحامًا
‏لم تعط ثمرًا ولا زهرا
‏لم تعط إلا ظلاً طويلا
. ‏شقّ الحديقة نصفين

‏وكل مساء ، عند تلاشي الغروب
، ‏الإحتفالي
‏يأتي عصفور غريب برتقالي اللون
‏ليحطّ بين أوراقها
. ‏وكأنه ثمرتها
‏جرسا ذهبيا كان
. ‏في اخضرار البرج الحيّ

‏*  *
‏حين قطعوا الشجرة
‏طار العصفور حولها
‏ينادي بوحشية
‏يصف الدوائر في الهواء
‏يصف عند المغيب شكل الأغصان
‏ويقرع على المساء
. ‏طول الشجرة القديم



Monday, February 11, 2013

كانتوس / بيير إيمانويل

.وُلِدتُ من جنون حيوانيّ، وأنقذني جنون إلهيّ
،أعيش من تفكير إلى تفكير
.لم أعش الموت ولا الولادة
أحيا كإنسانٍ لم يولد
أحيا كإنسانٍ لم يمتْ
."الجنون":  هو اسم حياتي التي سماها المجانين: "حكمة"

مَنْ يفصلني عن موتي؟
.مرآةٌ، فقدتْ روحي الميتة فيها وزن جسدها
من يفصلني عن حياتي؟
.الظل المتراجع الذي يترصّدني، والذي يفتنني بتهرّبه
من يفصلني عن إلهي؟
.الأنا اللاّتحصى التي توقع بي في شراك وجوهي العديدة
.ولكن في الظل الذي أقبع ملعوناً فيه، يتفرّسني الآخر الصموت

هذا الجسد المجلود إلى حدّ الموت، فوق الهواء العاري للروح، ما يأملُ؟ يأملُ المنسفة الكبيرة التي ستغربِلُ نجومه

Thursday, February 7, 2013

العالم ضرسٌ مقلوع / أميليا روسيللي


العالم ضرسٌ مقلوع 
لا تسألوني لماذا 
لي من العمر اليوم سنوات كثيرة 
...والمطر عقيم 
هل يأسي هذا حبٌّ؟
 أتراه حبٌّ ما يُسمّى حباً 
أم أنه الحاجة الساذجة إلى أن نبني في الآخر 
ما ينقصنا؟ 
أتراه حقيقية بديهية 
أم اختراع روحٍ تتضوّر جوعا؟

Thursday, January 3, 2013

المستغرقة في ذاتها تناجي ذاتها / سيلفيا بلاث



أنا؟
أنا أمشي وحيدة؛
وتحت قدميّ
يولد شارع منتصف الليل؛
حين أغمض عينيّ
تنطفئ كل تلك البيوت الحالمة؛
وبنزوة مني
تتدلى عالية فوق الأقواس
.غلالة القمر السماوية



أنا
أجعل البيوت
والأشجار تختفي
على إيقاع مشيتي السريعة؛
رسن نظرتي
،يربط البشر الدمى الذين، غير واعين بتلاشيهم
،يضحكون ويقبّلون ويثملون
غير عالمين أنهم يموتون
.إذا قرّرتُ أن أرمش



أنا
،حين يكون مزاجي حسناً
أهبُ العشب خضرته
،أسمح للسماء بالزرقة
وأمنح الشمس وهجها الذهبي؛
لكن حين أكون مكتئبة المزاج
أمارس سلطتي المطلقة
فأحظر اللون
.وأمنع كلّ زهرة



أنا
أعرف أنك تمشي
،مزهواً بجانبي
إنكاري لك يخرجك من رأسي
اعترافي بك يشعرك
بما يكفي من لهيب الحب
،حتى تصير حقيقياً
مع أنه من الجليّ تماماً
أن كل ما تملكه من جمال وفطنة
،ليس يا حبيبي
.إلا هبة مني

Wednesday, January 2, 2013

حكاية / رامبو


كان أحد الأمراء حزيناً لأنه لم يجهد نفسه أبداً إلا في إتقان المآثر السوقية. بدأ بثورات مذهلة في مجال الحب وساورته الشكوك في قدرة نسائه على تجاوز المداعبات المزينة بالسماء والترف. أراد معرفة الحقيقة، واقتناص ساعة الرغبة والارتواء الأساسيتين؛ أكان ذلك انحرافاً في التقوى أم لا، فهو يريده. كان يملك على الأقل ما يكفي من الطاقة البشرية
جميع النساء اللواتي عرفنه قتلن. أي خراب حل بحديقة الجمال! تحت حد السيف، كن يمجدنّه. لم يطلب المزيد من النساء، لكنهنّ كن يظهرن من جديد
قتل كل تبعه. بعد الصيد أو بعد السكر - كانوا جميعاً يتبعونه
تسلّى بذبح الحيوانات النفيسة، أمر بإحراق القصر وانقضّ على الناس ومزّقهم إرباً - الجمهور والأسطحة الذهبية، والحيوانات الجميلة مازالت موجودة
هل يمكن للمرء أن ينتشي من الدمار وأن يستعيد شبابه من القسوة والعنف! الشعب لا يتمتم بالشكوى، ولا أحد يحكي ما رأت عيناه
ذات مساء، كان يتجوّل على جواده بخيلاء. ظهرت جنيّة ذات جمال لا يوصف، جمال يستحيل التعبير عنه. من محياها وشكلها يتفجر وعد بحب عظيم متعدد الوجوه، وعد بسعادة هائلة، فوق الاحتمال! الأمير والجنية يتلاشيان في النشوة العارمة. كيف لم يموتا منها؟ إذن لقد ماتا معاً
لكن هذا الأمير مات في قصره، في سن عادي. الأمير هو الجنية، الجنية هي الأمير
.الموسيقى الرائعة تفتقدها رغبتنا

Thursday, December 27, 2012

الذي يمضي / عيسى مخلوف


الذي يمضي, لنتركه يمضي. كالنهر لا نحرفه عن مجراه. كالغيمة السارحة. الذي يمضي حتّى لو عاد إلينا فهو لن يعود. لأنّه من جهة الغياب عائد. يلوِّح به كلّ لحظة, بعدما كان الغياب, في الماضي, سرّاً مختبئاً وراء إشراق وجهه الحبيب.
يمضي الوجه ويبقى جماله. ينطفىء المصباح ويبقى نوره.
الذي يمضي لنتركه يمضي. لا نتعقّب أثره ولا نناديه. ولا نتحسّر على عدم قولنا له الكلمة الأخيرة.
ولِمَ الانتظار وهو أصبح خارج انتظارنا له. حُرّاً, طليقاً؟
خارج الانتظار, لا يعود من حاجة إلى الآخر الذي نفرغ منه كمن يطبق كتاباً وينام. ثمّ حين نصحو نرى الوقت الذي لا يُرى. نراه يعبر من أمامنا ومعه أجسادنا جميعاً. مطعونةٌ هي تلك الأجساد ولا تسيل منها الدماء.
الذي يمضي لنتركه يمضي.
تلك الظهيرة, وقفتِ على شاطئ البحر. أرخيتِ رأسكِ إلى الوراء والتفتِّ إلى أعلى حيث تحوم النوارس. ذلك النورس بالذات, وكان يحاول الاقتراب منكِ. يقترب ويصيح ولا يجرؤ على الاقتراب أكثر. كأنّه لا يجرؤ على اختراق حدود غير مرئيّة. وأنتِ جامدة في موضعِك. كنتِ تصرّين في وقفتك على معرفة ما يريد إيصاله لكِ. على علوّ منخفض يطير مترنّحاً منسكباً, ثمّ فجأة يجمد في مكانه, فوق رأسكِ تماماً, ومنقاره مصوَّب نحوكِ. بعد أن أطلتِ التحديق فيه, تلتفتين إليّ وتقولين: "الطير الذي في عليائه هو أنتَ. لكن لماذا لا تتقدّم؟ لماذا تنظر إليّ كأنّكَ لا تعرفني. تشتهيني من بعيد كمن يشتهي امرأة غيره. تَقدَّم. تَعال وخُذني"...
من يمضي لنتركه يمضي ولا نتعقّب أثره. من الآن فصاعداً سيكون بلا أثر. خفيفاً كالهواء. الذي يمضي لا يعرف أنّه يمضي. يسير على الدرب ذاتها التي جاء منها.
 لنتركه يذهب من يريد أن يذهب. نلتفت إليه محفوراً في داخلنا. نَضِراً كما كان يوم كان. نلتفت إلى الداخل نجد فيه ما لا يجده هو في نفسه.
الذي يمضي لنتركه يمضي بسلام

Wednesday, December 26, 2012

مضناك جفاه مرقده


" ما بال العاذل يفتح لي
باب السلوان وأوصده
ويقول تكاد تجن به
فأقول وأوشك أعبده
مولاي وروحي في يده
قد ضيعها، سلمت يده
ناقوس القلب يدق له
" وحنايا الأضلع معبده

*



ماتيس .. أو بهجة الحياة

 

في 1905 اشترك طائفة من شباب الفنانين في معرض الخريف الذي أقيم ذلك العام  في باريس. وكان أول ما يلفت النظر في لوحاتهم أن ألوانها جميعا بلا استثناء قد اتسمت على غير المعهود بقدر بالغ من العنف والضراوة، فرأى منظمو المعرض أن يخصصوا لهذه اللوحات الجريئة قاعة بمفردها وطاف ناقد مشهور بأرجاء المعرض، وبينما هو يتأمل أعمال هؤلاء الشبان، لمح وسط القاعة المخصصة لها تمثالا يرجع إلى القرن 15 فصاح "دوناتللو وسط الوحوش!".. ومنذ ذلك الحين أصبح لقب "الحوشيين" أو "الضواري" علما على هذه الجماعة


درس البيانو (1916) متحف الفن الحديث. نيويورك

وكان من بين هؤلاء الشبان ماركيه ودوفي وفان دونجن وفلامنك. أما زعيمهم فكان هنري ماتيس الذي لم يكن يفكر حتى سن العشرين في أنه سيكون له شأن بالفن. كان قد درس القانون واشتغل بمكتب أحد المحامين، ولكن تصادف أن ألم به مرض ألزمه الفراش عدة أسابيع، وحدث أن نصحه أحد الأصدقاء أن يتسلى بالرسم بالألوان خلال فترة النقاهة، فلم يلبث أن ولع بالألوان ولعا شديدا، وشعر كأنه ولد ولادة جديدة فانكب على التصوير بعد شفائه، وقد آمن بأن الفن - لا القانون - هو ما خلق له

وفي عام 1892، وكان إذ ذاك في الثالثة والعشرين، توجه إلى باريس، رغم إرادة أبيه، لدراسة الفن. وكان من حسن حظه أن وقع على أستاذ موهوب يدرك أن وظيفته هي مساعدة الطالب على تكوين شخصيته المستقلة، لا اخضاعه لشخصيته هو، ويدرك فوق ذلك أن ارتياد المتاحف، وتأمل آثار أئمة الفن خير للطالب ألف مرة من الاستماع إلى وصفات محفوظة يلقنها له أستاذ أكاديمي

وهكذا أخذ ماتيس - تبعا لنصيحة أستاذه جوستاف موروه - يمضي الساعات الطوال في متحف اللوفر، يدرس روائع رافايللو، وبوسان، ورويسدايل، وشاردان، ناقلا عنها - وبخاصة من آثار شاردان - أكثر من عشرين لوحة

والواقع أن من يسمون بالفنانين الثوريين في العصر الحديث، هم بوجه عام أشد اهتماما بدراسة التراث وتعمق مكنونه ممن يسمون بالفنانين المحافظين، أي أولئك الذين غالبا ما يقنعون بالأخذ عن أساتذتهم المباشرين في أكاديمية الفنون

ولم تمض خمس سنوات على ماتيس في باريس، حتى أخذ يتنبه إلى التيارات الجديدة في ميدان فن التصوير، وكان الفن الأوربي، - بعد أكثر من ثلاث قرون عاش خلالها معتمدا إلى حد كبير على تقاليد عصر النهضة - قد بلغ في أواخر القرن التاسع عشر مرحلة 
أصبح فيها كنه الفن نفسه موضع سؤال


وأول ما كان يثور حوله السؤال هو هذه التقاليد بالذات التي أرساها الفنانون الطليان في أواخر القرن الخامس عشر وأوائل القرن السادس عشر. وكان مما ساعد الفنانين الأوروبيين على إعادة النظر في هذه التقاليد، اكتشافهم للفن الياباني، ثم للفن الفارسي، ثم للفن المصري القديم، وكلها فنون تختلف تقاليدها اختلافا جوهريا عن تقاليد الفن الاغريقي الروماني، ثم تقاليد عصر النهضة التي درج هؤلاء الفنانون الاوربيون خلال القرون الماضية على اعتبارها التقاليد الوحيدة لكل فن جدير بهذا الاسم

ولتوضيح هذا الأمر، ينبغي لنا أن نذكر أن العمل الفني - بحكم طبيعته - ينطوي على وظيفة مزدوجة. فالفنان يرد - من ناحية أن يعبر عن احساساته التي تأتيه من العالم الخارجي، وهو لذلك ينزع، اذا كان مصورا مثلا، إلى تحويل لوحته المسطحه إلى عالم ثلاثي الأبعاد، شبيه بهذا العالم الذي نعيش ونتحرك فيه. ولكن الفنان - من الناحية الأخرى - يريد أن يخلق فنا، أي أنه يريد أن ينسق الخطوط والألوان على السطح المستطيل أو المربع أو المستدير الذي يرسم عليه، على نحو يجعل من لوحته شيئا له تلك الصفة النوعية الخاصة التي نسميها الفن

الظل الأخضر (1905) متحف كوبنهاجن

أوداليسك (1935) متحف بالتيمور الولايات المتحدة

دراسة

والقوانين التي بمقتضاها يصبح لمجموعة من الخطوط والالوان الموزعة على سطح معين صفة الفن، مثل القوانين التي يصبح بمقتضاها لمجموعة من الكلمات صفة الشعر، أو تلك التي تجمع لمجموعة من النغمات صفة السمفونية أو السوناتة، ليست هي من نوع القوانين الفيزيائية أو الكيميائية أو البيولوجية أو الجيولوجية التي تسري على العالم الخارجي بجماداته وكائناته الحية
فالعمل الفني، من حيث هو فن، كيان قائم بنفسه. إنه في ذاته وحدة عضوية لها منطقها الخاص ولغتها المستقلة. وفي عصور الانحدار الفني - كما حدث في أواخر العصر الاغريقي الرماني، وخلال القرون الثلاثة الماضية عند معظم الفنانين الاوربيين - نلاحظ أن انشغال الفنان باللعبة الصبيانية التي تتمثل في محاولة محاكاة مظاهر الطبيعة، غالبا ما تلهيه عن الاهتمام بالايقاعات والموازين التي تجعل من اللوحة المصورة عملا فنيا. وذلك على خلاف ما نراه في الفن المصري القديم مثلا، والفن الفارسي، والفن الياباني، والفن الصيني، والفن البيزنطي، من اهتمام الفنان اهتماما اساسيا بلغة الفن وايقاعاته واساليبه الخاصة في التعبير عن ذات الانسان

وجه وإناء عام (1937) مجموعة الآنسة ليلى بونس

وكان مما عنى به الفنان الاوربي، وبخاصة منذ كارافاجيو، في محاولته الاقتراب أكثر فأكثر من مظاهر الطبيعة، ما سماه الطليان "بالكياروسكورو"، أي تصوير الأضواء والظلال الواقعة على الأجسام، على نحو ما يرى في الطبيعة، من اجل إبراز كتلتها

غير أن الظلال، بحدودها المبهمة وألوانها العكرة، قد جعلت من مهمة الفنان في تنسيق الخطوط والألوان على سطح لوحته مشكلة عويصة. فلا غرو أن عمل هذا الكياروسكورو - إلى جانب عوامل أخرى - على طمس معالم الفن في الكثير من انتاج المصورين الاوربيين، وبخاصة خلاص القرنين السابع عشر والثامن عشر

فلما جاء القرن التاسع عشر، وأتيح لبعض الفنانين أن يطلعوا على بعض الأمثلة من الفن الياباني، بهرهم أن يروا فنا يفتن العين بجماله، وقد استغنى أصحابه عن التظليل كلية، معتمدين في فنهم على الالوان الناصعة الصافية والخطوط الواضحة المنسابة في سلاسة ولطف ايقاع والموحية مع ذلك بحركة الاجسام والتفافاتها وكتلتها

وكان مانيه (1832-1883) أول فنان أوربي في العصر الحديث ثار على مبدأ "الكياروسكورو". فقد جعل الضوء الساقط على الاجسام التي يصورها آتيا إليها من الأمام، وبذلك انكمشت الظلال إلى أطراف الاشكال، فعبر عنها بخطوط قاتمة تحدد هذه الاشكال

وهكذا تحولت اللوحة إلى مساحات شبه مسطحة من الالوان الواضحة الحدود، عنى الفنان بتنسيق أوضاعها وحبكة تكوينها على السطح المستطيل

متعة الحياة (1907) متحف الفن الحديث. باريس

تفصيل من لوحة الرقص 1933

ورق مقصوص (1952) متحف الفن الحديث. باريس


طبيعة صامتة (1912) مجموعة بيكاسو

القبعة ذات الريش الأبيض (1919) كلية الفنون مينيابوليس - أمريكا

وبعد مانيه جاء الانطباعيون فحرروا لوحاتهم من الظلال كلية، واهتموا بنضرة الالوان وزهوتها، ولكنهم لم يعنوا كثيرا بتصميم اللوحة. ولهذا السبب خرج عليهم سيزان، إذ هو قد أراد أن يستخدم الألوان المجردة من الظلال، على نحو ما وصل اليه الانطباعيون، أداة بناء وتشييد، لا مجرد أداة تسجيل للاحساسات العابرة التي تقع على شبكة العين، وذلك ليجعل من العمل الفني شيئا متين القوام راسخ الاوطاد، كفن المتاحف على حد تعبيره

ومع ظهور جوجان، وفان جوخ ازداد تحرر الفن من ربقة التشبه بمظاهر الطبيعة، إذ جعل الاول منه أداة للتعبير الرمزي عن مشاعره، على حين جعل منه الثاني أداة تعبير عن عواطفه العارمة المتأججة
وهكذا اتضح من جديد أن العمل الفني ليس صورة من الطبيعة، ولا نافذة تطل عليها، وانما هو خلق جديد، يرادف الطبيعة ويوازيها، ولكن له مع ذلك كيانه المستقل

وعند هذه المرحلة بالذات من تطور الفن الاوربي، ظهر ماتيس. وقد بدأ بدراسة الانطباعيين، ثم التفت إلى سيزان، فبلغ من اعجابه بهذا الفنان العبقري أنه جشم نفسه عبء شراء أحدى لوحاته بثمن فادح بالقياس إلى موارده إذ ذاك، وأصر على الاحتفاظ بها طوال الوقت، بالرغم مما عاناه أحيانا من ضنك، فلم يفارقها الى عام 1936 عندما أهداها إلى أحد المتاحف، وقد كتب في رسالة أرسلها في هذه المناسبة يقول: "إن هذه اللوحة كانت سندا لي في اللحظات العصيبة من حياتي الفنية، أمدني بالثقة ووهبني الايمان وحثني على الصبر ومواصلة المسير.."

وفي عام 1901 أقيم معرض كبير في باريس لأعمال فان جوخ، ثم أقيم معرض آخر كبير لاعمال جوجان عقب وفاته ببضعة أشهر عام 1903. وكان ماتيس هو الذي كلف بتنظيم المعرضين، فأتيحت له بذلك الفرصة لدراسة أعمال هذين الفنانين العظيمين عن كثب

وفي عام 1903 أقيم معرض للفن الاسلامي في ميونخ، فهرع ماتيس إلى هذه المدينة لمشاهدته وتأمل آثاره، ومن كل هذه العوامل العديدة التي أثرت في تفكير ماتيس، أي دراسة آثار الأئمة في متحف اللوفر، ثم رسم المئات من الاسكتشات السريعة في الشوارع والمقاهي كما نصحه أستاذه، ثم دراسة الانطباعيين والفن الياباني، ثم سيزان وفان جوخ وجوجان والفن الاسلامي، نقول انه من كل هذه العوامل المختلفة خرجت تلك الحركة الفنية الجديدة التي تزعمها ماتيس، وأطلق عليها اسم "الحوشية

ومن الغريب أن هذا الذي أصبح يعد من "الضواري"، كان في حقيقته لا ينطوي على ذرة من الاندفاع أو التهور بل كان كثير التأمل لأعمال الفنانين السابقين، شديد الحدث في تجاربه وبحوثه، ولا يقرر أمرا إلا بعد روية وتدبر
وقد أراد ماتيس بألوانه المضطرمة في تلك المرحلة الأولى من حياته الفنية، أن يعبر بها عن العاطفة الجياشة في طلاقة ودون أي تقيد بالمواصفات المعهودة، ولكننا نلاحظ حتى في هذه الأعمال الاولى أنه لم ينس شيئا مما تعلمه من أئمة الفن فيما يتعلق بهندسة اللوحة وحبكة تصميمها

على أن "الحوشية" - من حيث هي حركة - لم تدم أكثر من بضعة أعوام. فقد تطور أفراد هذه الجماعة بعد ذلك، وسار كل منهم في طريقه الخاص

وفيما يتعلق بماتيس بالذات، فقد نما فنه بسرعة، ومال إلى مزيد من الاتزان والرصانة، فخفت حدة ألوانه، ولكنه حرص دائما على المحافظة على بهائها وثرائها ونورانيتها، وبلغ في ذلك حدا جعل بعض النقاد يعتبرونه أعظم فنان ملون في العصر الحديث

الاسبانيولية (1911) مجموعة رودولفذ ستيشن. سويسرا

وتتضح موهبة ماتيس اللونية في قدرته على التأليف بين ألوان تبدو في الظاهر متعارضة متنافرة، فاذا بها تصبح بين يديه آية في الانسجام، على أن موهبة هذا الفنان في تنسيق الخطوط لا تقل البتة عن موهبته في تنسيق الالوان. وتتميز خطوطه بايقاعها اللطيف الذي يذكرنا بأجمل آيات الفن الاسلامي. وهو ايقاع يتسم في آن واحد بالامتداد والمرونة بحيث يسمح "للجملة التشكيلية" - على مثال الجملة الموسيقية - بالكثير من الاستطرادات والتفريعات، دون أن تفقد طابعها أو تضل طريقها
وقد تبدو أعمال هذا الفنان، للعين غيرالمدربة، مجرد أشكال زخرفية. غير أن ما ينشده ماتيس فوق كل شيء - على حد قوله - هو التعبير عن أحاسيسه ازاء صور الحياة
غير أن التعبير عنده ليس هو تصوير العاطفة المرتسمة على وجه، أو تلك التي تنم عليها حركة عنيفة، وإنما هو ينبع من صميم بناء اللوحة، وألوانها، وأوضاع الأشخاص والأشياء، والفراغات التي تحيط بهذه الاشكال، والنسب التي تربط بينها .. فكل شيء في اللوحة له دور في هذا التعبير

ولم يعد ماتيس يقنع بعد نضجه، بما كان يقنع به أيام مرحلته الحوشية الأولى، أي بالتعبير عن العاطفة العابرة. فقد أدرك أن التعبير الصارخ ليس هو التعبير القوي. ولذلك فهو يبدأ لوحته محاولا تسجيل احساسه المباشر، ولكنه يعود إليها بعد ذلك ليدعمها باحساساته العميقة، حتى تصبح تعبيرا كاملا عن ذاته ووجدانه
وهو في هذا التعبير لا يلجأ إلى المحاكاة الفجة للطبيعة، وإنما يعمد إلى أساليب التورية والمجاز، ليوحي إلينا بأحاسيسه ايحاء لطيفا

وما هو بحاجة إلى أكثر من خطوطه الايقاعية التي تنساب في يسر وسلاسة، ليترجم لنا عن احساسه بالتفافات الاجسام وحركتها وكتلتها. والالوان في لوحاته - بالرغم من زهوتها ونضارتها - يحتل كل منها مكانه الصحيح في فضاء اللوحة، دون ما حاجة إلى طمس أو تعكير. فاذا لجأ أحيانا إلى ما يوحي بالظل في بعض أجزاء لوحاته، كان ذلك لغاية فنية يقتضيها تصميم اللوحة، ولم يكن البتة بقصد محاكاة الطبيعة

وقد كان ماتيس مثالا نادرا من الانسان الذي يعيش على وفاق كامل مع نفس ومع الوسط المحيط. ولذلك لا نحس في آثاره، التي تعد بالمئات، بأي نوع من التوتر، ولا أي صراع درامي. ففنه كله عذب المذاق، وكله صفاء وترف وغبطة

ولقد عاش هذا الفنان حياة خصبة مديدة حتى أشرف على الخامسة والثمانين، وتوفي عام 1954 متوج الرأس بهالة المجد وأكاليل الغار



Tuesday, December 25, 2012

أغدا ألقاك




(الهادي آدم - محمد عبدالوهاب)

الانتحاريّ / بورخيس


.لن يبقى في الليلِ نَجمٌ
.ولن يبقى الليل
سأموت ومعي سيموت العالم
.الذي لا يُحتَمَل
،سأمحو الأهرام، الأوسمة
.القارّات والوجوه
.أمحو تراكم الماضي
،أحوّل التاريخ رماداً
.والرمادَ غُباراً
.أنظر إلى غروب الشمس الأخير
.أصغي إلى العصفور الأخير
.والعدم لا أوصي به لأحد

Sunday, December 23, 2012

جورج حنين / أعمال مختارة


إن جميع الوجوه مثبتة "
" بمسمار الشحوب ذاته

وِش يُشبه حزننا

باشرب حُزن فرْحي
وارفُض فرْح حزني
واشتاق لأنّ جَرحي
فكرني بكل شيء

(مجدي نجيب)

Friday, December 21, 2012

في نخب الأفعى / رينيه شار


I
أغنِّي الدفء ذا الوجه حديث الولادة، الدفء اليائس

II
هذا هو دور الخبز لأن يقطع الإنسان ولأن يصير جمال الشفق

III
من يعتمد على عبّاد الشمس لن يتأمل في المنزل، كل أفكار الحب ستصير أفكاره

IV
في تحليق العندليب ثمة زوبعة تتشكل، حديقة تنبني

V
دوماً ستكون هناك قطرة ماء أكثر ديمومة من الشمس، دون أن يتزعزع طلوع الشمس

VI
فلتنتجْ ما تود المعرفة إبقاءه سراً، المعرفة ذات الممرات المئة

VII
هذا الذي يجيء إلى العالم لكي لا يقلقل أمراً لا يستحق التقدير ولا الصبر

VIII
كم سيدوم غياب هذا الرجل في قلب الكون لأن الكون قد أقاله

IX
كلُّ منزلٍ فصلٌ من الفصول. هكذا كانت المدينة تردد. لم يكن السكان جميعاً ليعرفوا سوى الشتاء، رغم أجسادهم الدافئة، رغم النهار لم يكن يريد الذهاب

X
أنت شاعر في جوهرك على الدوام. على الدوام في سمت حبك. على الدوام متلهف للحقيقة والعدالة. إنه شر ضروري أنْ لا تقدر أنْ في وعيك بشكل مثابر

XI
من الروح التي لم توجد ستصنع إنساناً أفضل منها

XII
فلتنظر إلى الهيئة الجسورة التي يستحم فيها وطنك. هذه البهجة التي هربت منك لوقت طويل

XIII
كثيرون أولئك الذين ينبغي عليهم أنْ ترفعهم، أن يجتازهم الهدف، لكي يتعينوا

XIV
فلتشكر من لا يتأثر لندمك. أنت شبيهه

XV
الدموع تحتقر مَنْ هم موضع أسرارها

XVI
ثمة عمق قابل للقياس حيث يقهر الرمل القدر

XVII
قليل الشأن يا حبيبتي، أن أكون ولدتُ، ستصبحين مرئية في المكان اذي سأختفي فيه

XVIII
لنقدر أن نمشي، دون أن نخدع العصفور، من قلب الشجرة إلى انبهار الثمرة
ما تصادفه عبر البهجة ليس سوى شكران الذاكرة المجاني. الحاضر الذي اخترته لن ينجو من الوداع

XX
لا تنحنِ إلا لتحب. لو مت ستظل تحب أيضاً

XXI
الظلمات التي تنتقع فيها، يديرها شبق صعودك الشمسي

XXII
تناسَ الذين يعتقدون بأن الإنسان ليس إلا مرحلة اللون على الظهر المتعذب للأرض. لتفكك عتاباتهم الطويلة. حبر المسعار* واحمرار الغيمة لن يكون إلا واحداً

XXIII
ليش مشيناً أنْ يخادع الشاعرُ الحملَ. أن يستثمر صوفه

XXIV
لو سكنّا البرق فهو قلب الأبدية

XVX
أيتها العيون التي أيقظت الريح وهي تعتقد أنها اكتشفت الصباح، ماذا أستطيع من أجلكن؟ أنا النسيان

XXVI
الشعر هو من بين كل المياه الصافية الأقل توقفاً عند انعكاسات جسوره
الشعر هو الحياة المقبلة في داخل الإنسان المسمى

XXVII
زهرة حتى تمطر. في آخرة سنوات طوال، هذه أمنيتك


----------
هو قضيب لتحريك الجمر كي لا يخمد*

Wednesday, December 19, 2012

كنجمة في السماء ، كوعل في الغابة / رياض الصالح الحسين




أمامي الكثير لأعطيه
وخلفي الكثير للمقابر
أمامي النهر ورائحة الصباح والأغاني
البشر الرائعون والسفر والعدالة
وخلفي الكثير الكثير
من الكهنة والتماثيل والمذابح
وها أنذا أمشي وأمشي
بين هزائمي الصغيرة وانتصاراتي الكبرى
وها أنذا أمشي وأمشي
متألقاً كنجمة في السماء
وحرّاً كوعل في الغابة
لي وطن أحبه وأصدقاء طيبون
بنطال وحذاء وكتب ورغبات
ووقت قليل للرقص والجنون والقبلة
لقد بدأت أتعلم كيف أبتسم وأقول وداعاً
وبدأت أتعلم كيف أتألم
بعيداً عن الضجيج والعواصف
أما الكلمة الجميلة ، الجميلة
التي تشبه طائراً أبيض
والتي تشبه شجرة في صحراء
فلقد اكتشفتها متأخراً قليلاً
مثلما تكتشف السفينة اتجاهها
ومثلما يكتشف الطفل أصابعه وعينيه
لذلك أمشي وأمشي وأمشي
فأمامي الكثير لأعطيه
وخلفي الكثير للمقابر
ولذلك أمشي وأمشي وأمشي
ولا أنتظر أن ينتهي طريقي
هذه صخرة وهاتان عينان
هذا قمر وتلك أوزة
: وثمة أشياء كثيرة لم أكن أراها
أيدي الأمهات
أكياس الطحين
وطلاب المدارس
إنني أفتح عيني كنبع صغير
وأتحرك برشاقة الرعاة
فلقد بدأت أعلم
- وربما متأخراً قليلاً - 
ان آلاف الحروب وملايين الجرائم
لم تستطع منع القطة من المواء عندما تجوع
والوردة من أن تتفتح
. . . والمطر من أن ينهمر بغزارة
لذلك أمشي وأمشي وأمشي
متألقاً كنجمة في السماء
وحرّاً كوعل في الغابة
وعندما أصل إلى البيت
وحيداً أو عاشقاً
مرحاً أو حزيناً
أعترف لنفسي بأخطائي القليلة
: وأنتظر
عشب الطريق
هدير القطارات
وعمال المصانع
ولون السماء في الصباح الباكر
الباكر
الباكر

Tuesday, December 18, 2012

لا شيء يزهر خلف مرآتي

كل يوم هو طير
.في يدي له قطعة سكر

*
عصفور وراء الشباك
.أغنية مرتابة

*
 عمر من النسيان
.لا ينتظر انتحاري

*
 وسادة عالية
رأس مهزوم من الحمي

،وحدي
ذاكرة عشواء

لوهلة يباغتني اسمي

صوتكِ جبيرة للزمن

*

أزهار الشتاء 
.لا يسقيهن ارتجافي

*

.الحياة عبء أخير للمعنى
.صفحة ملوثة
رهان بين مهرجيْن
لا يهم أحدهما لو يخسر
.مادام بالنهاية سيطيلان النظر في لا شيء

Monday, December 10, 2012

اقلبي عمري ثواني / بالعامية

اقلبي عمري ثواني
غرّبي الانسان فيني
وبدّليه بشخص ثاني
واعرفي كل الكلام الي رفضت اني اقوله وامتلاني
لملميني من سنيني
مثل قطعة من غمامة بالية
.. فوق الرصيف
طاحت فـ ليلة حزن
وامطريني حب واحساس واغاني
لوّني قلبي بصوتك
كوّنيني في سكوتك
ارسمي فيني الملامح
من جديد
وارمي الاقدار عني
لو قدرتي
علميني كيف احيا وكيف اموت
وكيف انمّي في يديني الف نجمة
وفـ عيوني غصن توت
اعتقيني
من جهاتي
ومن قلوب الناس واطباعي وصفاتي
انفضي عن صدري المتعب غبار الازمنة
واحفظيني في رفوفك مثل وردة أو كتاب
في جنوني كم أحبك
في سكوني كم أحبك
كم أحبك
وما مداني اقول لك كل الكلام الي بقوله
ما مداني